فخر الدين الرازي
264
القضاء والقدر
النوع الرابع من وجوه استدلالات المعتزلة بالقرآن الآيات التي أمر اللّه عباده فيها بأن يستعينوا باللّه ، وبأن يعين بعضهم بعضا . أما الاستعانة باللّه : فكقوله تعالى : إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ - فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ « 1 » - وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ « 2 » - اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ « 3 » وتقديره : إن الاستعانة إنما تعقل في حق من يقدر على الفعل ، لكنه لا يقدر على إتمامه وإكماله إلا بإعانة المعين . فلو لم يكن العبد قادرا على التكوين والتحصيل كانت إعانته ممتنعة ، فكان أمره بالاستعانة عبثا . وأما الأمر بإعانة بعضهم بعضا . فكقوله تعالى : وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى ، وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ « 4 » ومن لم يقدر على الفعل أصلا فكيف يمكنه إعانة غيره على الفعل ؟ . والجواب : مذهبنا : أن الملزوم للفعل هو مجموع القدرة والداعي . وذلك مشروط بإزالة الموانع . فإعانة اللّه لعبده . هو أن يزيل الموانع عن كون ذلك المجموع مستلزما لذلك الأثر . وأما إعانة بعضهم بعضا : فهو أنه من الجائز أن لا تكون قدرة الإنسان الواحد وداعيته كافية في استلزام ذلك الفعل . بل لا بد فيه من قدر أناس كثيرين ومن دواعيهم ، حتى يترتب على مجموع تلك القدر وتلك الدواعي ، حصول ذلك الأثر . فزال الإشكال .
--> ( 1 ) سورة النحل الآية 98 . ( 2 ) سورة المؤمنون الآية 97 . ( 3 ) سورة الأعراف الآية 128 . ( 4 ) سورة المائدة الآية 2 .